الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

375

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

بشدة الشكيمة في الكفر والعتوّ . وقد كانا كافرين فأشير إلى كل واحد منهما بما هو علم فيه بين بقية المشركين من كثرة المآثم لأولهما . والمبالغة في الكفر لثانيهما ، فلذلك صيغت له صيغة المبالغة ( كفور ) . قيل عرض عتبة على النبي صلى اللّه عليه وسلم أن يرجع عن دعوة الناس إلى الإسلام ويزوجه ابنته وكانت من أجمل نساء قريش . وعرض الوليد عليه أن يعطيه من المال ما يرضيه ويرجع عن الدعوة ، وكان الوليد من أكثر قريش مالا وهو الذي قال اللّه في شأنه : وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً [ المدثر : 12 ] . فيكون في إيثار هذين الوصفين بالذكر إدماج لذمهما وتلميح لقصتهما . وأيّا ما كان فحرف أَوْ لم يعد أصل معناه من عطف تشريك أحد شيئين أو أشياء في خبر أو طلب ، وهذا التشريك يفيد تخييرا ، أو إباحة ، أو تقسيما ، أو شكا ، أو تشكيكا بحسب المواقع وبحسب عوامل الإعراب ، لتدخل أَوْ * التي تضمر بعدها ( أن ) فتنصب المضارع . وكون المشرك بها واحدا من متعدد ملازم لمواقعها كلها . فمعنى الآية نهي عن طاعة أحد هذين الموصوفين ويعلم أن طاعة كليهما منهي عنها بدلالة الفحوى لأنه إذا أطاعهما معا فقد تحقق منه طاعة أحدهما وزيادة . وموقع مِنْهُمْ موقع الحال من آثِماً فإنه صفة آثِماً فلما قدمت الصفة على الموصوف صارت حالا . و ( من ) للتبعيض . والضمير المجرور بها عائد للمشركين ، ولم يتقدم لهم ذكر لأنهم معلومون من سياق الدعوة أو لأنهم المفهوم من قوله : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا أي لا كما يزعم المشركون أنك جئت به من تلقاء نفسك ، ومن قوله : فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ، أي على أذى المشركين . ويؤول المعنى : ولا تطع أحدا من المشركين . [ 25 - 26 ] [ سورة الإنسان ( 76 ) : الآيات 25 إلى 26 ] وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ( 25 ) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً ( 26 ) أي أقبل على شأنك من الدعوة إلى اللّه وذكر اللّه بأنواع الذكر . وهذا إرشاد إلى ما فيه عون له على الصبر على ما يقولون .